المقريزي
580
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
نوروز بدمشق ولبس خلعته وقبّل له الأرض ، وقطع اسم الملك النّاصر فرج من الخطبة ، وخطب باسم الملك العادل أبي الفتوح عبد اللّه جكم جمعتين في شهر رمضان سنة تسع وثماني مائة ، ثم أعاد اسم الملك النّاصر وقطع الخطبة لجكم . وأظهر العادل جكم من إقامة الحرمة ونشر العدل وعظم المهابة شيئا زائدا على الحدّ المعهود بحيث إنه كان الخمر مع كثرتها بتلك البلاد لا يقدر عليه بوجه من الوجوه ، وعزم على أن يجعل الكلفتة خضراء اللّون وأن يخترع أمورا عجيبة ترضي اللّه والمؤمنين إلا أنه استعجل وتوانى معا ، فعوقب على ذلك بالحرمان وهو أنه لم يفكّر في أمر مصر ولا عرّج نحوها ظنّا منه أنها في قبضته واستخفافا بشأن الملك النّاصر ، وظاهر الحال لو قصد مصر لما وجد من ينازعه وبتملّكه قلعة الجبل كان يتمّ أمره ، إلا أنّه توانى عن هذا واستعجل بخروجه من حلب لمحاربة التّركمان ، فقصد قرايلك بآمد واصطلى الحرب بنفسه ، فقتل وقتل كثير ممن معه وذلك في أوائل ذي الحجة سنة تسع وثماني مائة ، وحملت رأسه ورأس محمد بن شهوي إلى الملك النّاصر فعلّقت أعلى القلعة في أول المحرم سنة عشر وثماني مائة . وكان سبب خروجه من حلب أنّ الملك الظاهر عيسى صاحب ماردين بعث إليه أن يسير إلى ماردين ، فخرج من حلب إلى البيرة وملكها بعد حصار ، وقتل كزل نائبها وسار إلى ماردين ، فنزل إليه الملك الظّاهر وسار معه بعساكر ماردين إلى قتال عثمان بن طور علي كبير التّركمان بآمد ، وهما في جيوش عظيمة ، فكان بينهما حروب قتل فيها إبراهيم بن عثمان بن طور عليّ ، فاشتد حنق أبيه ، وقاتل حتى قتل جكم وصاحب ماردين ومعظم من كان معهما ولم يبق من أصحاب جكم سوى بلبان دواداره وكمشبغا العيساوي أبقاهما ابن طور علي ليدلاه على أموال جكم التي بالبيرة وبقلعة الرّوم ، وكان يقال إنها أموال كثيرة جدا فلم يظفر بها .